النويري

287

نهاية الأرب في فنون الأدب

فعاد على عادته ، فقال له السجان : أما بلغك ما عزم عليه الأمير ؟ قال : بلى ، قال : وكيف أتيت ؟ قال : لم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب [ بسببي ] [ 1 ] وأصبح ابن زياد فقتلهم ، فلما أحضر مرداس قام السجان - وكان ظئرا [ 2 ] لعبيد اللَّه - فشفع فيه وقص عليه قصته ، فوهبه له وخلَّى سبيله . ثم خاف من ابن زياد ، فخرج في أربعين رجلا إلى الأهواز ، فكان إذا اجتاز به مال لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ، ثم يردّ الباقي ، فلما سمع ابن زياد خبرهم بعث إليهم أسلم [ 3 ] بن زرعة الكلابي ، وقيل : أبو الحصين التيمي ، وكان الجيش ألفي رجل ، وذلك في سنة ستين ، فلما أتوه ناشدهم أبو بلال اللَّه أن ينصرفوا عنه ، فأبو ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة ، فقالوا أتردّنا إلى ابن زياد الفاسق ؟ فرمى أصحاب أسلم رجلا من الخوارج فقتلوه ، فقال أبو بلال : قد بدؤكم بالقتال . فشدّ الخوارج على أسلم وأصحابه شدّة رجل واحد ، فهزموهم ، فقدموا البصرة ، فلامه ابن زياد على ذلك ، وقال : « هزمك أربعون وأنت في ألفين ؟ لا خير فيك ! » فقال : لأن تلومني وأنا حىّ خير من أن تثنى علىّ وأنا ميت وكان الصبيان إذا رأوا أسلم صاحوا به : « أبو بلال وراءك » . فشكا ذلك إلى ابن زياد ، فنهاهم ، فانتهوا .

--> [ 1 ] الزيادة من تاريخ ابن جرير الطبري . [ 2 ] ظئره : زوج مرضعته ، والأصل في لفظ « الظئر » أن يطلق على المرضعة لغير أولادها ، ثم أطلق على زوج المرضعة . [ 3 ] ذكر ياقوت في معجم البلدان أنه « معبد بن أسلم الكلابي » .